السعيد شنوقة

302

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وقد علق ابن المنير على ما رواه الزمخشري عن الملائكة بأنها حكاية يوردها من يتعسف في منع الرؤية ، ويتخذها سندا على معتقده مخطئا ناقل هذه الحكاية منزها الملائكة - عليهم السلام - من أن يهينوا موسى - عليه السلام - بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب مضيفا أنه عليه السلام لمّا تبين له أن مطلوبه كان خلاف المعلوم الذي قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا - والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق - سبّح الله عز وجل وقدّس علمه وخبره عن الخلف . أما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب لأن مكانتهم الجليلة تقتضي أن تنزّه وتبرّأ ممّا ينحط بها « 1 » . وهم بشر مثلنا غير منزهين من الخطأ « 2 » . ومما استعان به الزمخشري في نفي الرؤية من نص القرآن الكريم قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [ الفرقان : 21 ] قال في تفسيره : « اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة ، فتخبرهم بأن محمدا صادق حتى يصدقوه أو يروا الله جهرة ، فيأمرهم بتصديقه واتباعه . ولا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل

--> - حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ البقرة : 55 ] . والثانية : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] . والثالثة : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] . الرابعة : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي إلى قوله : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] . الخامسة : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [ الفرقان : 21 ] . أما حجج القائلين بجواز النظر ووقوع الرؤية فتمسكوا بأربع آيات : الأولى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] . معتبرين سؤاله عليه السلام دليل الجواز . الثانية : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] . قالوا : الزيادة النظر إلى وجه الله . الثالثة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] . الرابعة : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] . مستدلين بأنه لما كان الكفار محجوبين عن رؤية الله تعالى دلّ على أن المؤمنين غير محجوبين . انظر الرازي ( أبو الفضل أحمد بن محمد ) كتاب حجج القرآن ، تحقيق أحمد عمر المحمصاني ، دار الرائد العربي ، بيروت ، 1982 ، ط 2 ، ص 68 - 69 . ( 1 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 115 . ( 2 ) انظر الرازي ، حجج القرآن لجميع الملل والأديان ، ص 60 - 61 .